- بنية العقل العربي - الجابري
مقدمة:
يعتبر كتاب بنية العقل العربي الجزء الثاني من سلسلة نقد العقل العربي
لمحمد عابد الجابري، بعد كتابه تكوين العقل العربي، فنلاحظ أنه قسم في هذا الكتاب
أنماط المعرفة إلى ثلاث أقسام، فبدأ الجابري بالبيان نظرا لقيمته في الثقافة
العربية، ثم العرفان وبعده البرهان، حيث يحدد الجابري بنية العقل العربي بالاعتماد
على ثلاثة قضايا كبرى نعرض لها فيما يلي:
- البيان: مرجعيته النص والاجماع والاجتهاد. ويهدف إلى خدمة العقيدة الإسلامية.
- العرفان: مرجعيته الولاية باعتبراها طريقا للمعرفة، ويهدف للدخول في نوع ما من
الوحدة مع الله.
- البرهان: مرجعيته قوى الإنسان المعرفية والطبيعية، ويهدف تشييد رؤية للعالم متماسكة ومنسجمة تلبي طموح العقل لطلب اليقين.
البيان:
لم يكن علم البيان من اختصاص علماء
البلاغة فقط، الذين جعلوا علم البيان أحد أقسام البلاغة (علم المعاني، وعلم
البديع، وعلم البيان)، بل اهتم بهذا العلم كل من اللغويين والنحاة والبلاغيين
وعلماء الأصول سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة أو حنابلة.
رغم اختلاف مذاهبهم إلا أنهم أسسوا حقلا معرفيا واحدا هو
النظام المعرفي البياني، الذي ساهم فيه كل واحد من مذهبه وخلفيته التي ينتمي إليها
بإغناء هذا العلم (علم البيان).
ومعنى هذا القول أن توضيح أي أمر ما لا يقصر على علماء
اللغة فقط، بل يمكن إطلاق لفظ "البيان" على كل من يقوم بتبين
وتوضيح مسألة ما في علم ما من العلوم، وهو الجزء الأساس من البلاغة، لأن الغرض من
البلاغة، هو وصول المعنى إلى المتلقي، بأقل وسائل طرق الكلام.
ومن شروطها: الاختصار والايجاز، والبيان عند
رواد الدراسات البيانية "اسم جامع" ليس فقط لكل ما تتحقق به عملية
الإفهام أو التبليغ، بل أيضا لكل ما به تتم عملية الفهم والتلقي بكيفية عامة،
فالبيان يوضح الكلام لأن الأساس من الكلام أن يكون واضحا.
فإذا فقد عنصر البيان فلا فائدة منه، وعليه فالبيان يعد
جزءا من البلاغة، وهو ليس فقط شرط يجب أن يتوفر في المتكلم بل يجب أن يكون متوفرا
في المتلقي أيضا، ليصل إلى مرحلة الفهم، فعملية الإفهام متبادلة، لأننا لن نصل إلى
الفهم إلا إذا امتلكنا الوسائل التي تمكننا منه.
فتطورت بعد ذلك الدراسات البيانية البلاغية
لتنتقل بالثقافة العربية الإسلامية من ثقافة المشافهة إلى ثقافة الكتابة والدراية،
مع عصر التدوين، فبدأ الاهتمام بالبيان، لأن الكاتب وجد نفسه مجبرا على توضيح ما
يكتبه رغبة في إيصال المعنى إلى المتلقي.
لأنه يدرك أن كلامه المكتوب يفقد كثيرا من خصائص الإفهام
التي تكون حاضرة في المشافهة، لذلك يقال (التجهيز للإذاعة أصعب من التجهيز
للتلفاز).
بسبب أن المتلقي في الإذاعة لا يصله إلا الصوت بينما في
التلفاز هناك عوامل تساعده على الفهم منها الصورة والجسد وهو المراد من أن الكلام
المكتوب عكس الكلام المنطوق لأن المنطوق هناك عوامل تساعده على الفهم عكس الكلام
المكتوب الذي لا يصل إلى المتلقي إلا وهو فاقد للعوامل المساعدة على الفهم
والإفهام.
وعليه يمكن طرح
الإشكال التالي: لماذا لم يحصر البيان بفئة معينة من الناس ؟
لقد تميز علماء البيان بمذاهبهم المختلفة وبتعدد
تخصصاتهم، فالمتكلم في اللغة عنده معرفة بالفقه وله معرفة باللغة، كما أن النحوي
متكلم والفقيه لغوي، أي أنهم كانوا ملمين بمجالات عديدة، فكل هذه التخصصات انطلقت
من القرآن، هل هو معجز في اللفظ أم في المعنى أم هما معا؟.
فتطورت الدراسات والأبحاث البيانية لتتسع
وتشمل الخطاب العربي ككل شعرا وخطابة وترسلا، وفنونا أخرى كما اشتغلوا بعملية
الضبط والتقعيد والتقنين، نتيجة المجادلات المذهبية داخل الدائرة البيانية نفسها،
من بيانيين وعرفانيين، أي وضع القواعد ليتم اللجوء إليها عند الاختلاف حتى لا يتم
تجاوزها.
فانتقل البيان كنظام معرفي من حالة اللاوعي
وعدم وجود ضوابط أي من حالة العفوية اللغوية المبنية على الاجتهادات اللغوية، إلى
حالة الوعي والتفكير المنظم الخاضع للقوانين التي لا يمكن أن نفكر إلا في حدودها،
فأصبح التفكير مقيدا بضوابط، وهذا الاختلاف هو الذي أوجد القواعد حتى لا يتم العبث
في هذا العلم.
ولعل كلمة البيان هي أكثر الكلمات العربية
تعبيرا عن خصائص الرؤية التي تقدمها المنظومة اللغوية العربية أو الحقل المعرفي
الأصل، ليس فقط لأنها كلمة خاصة باللغة العربية ولكن لأنها ليست لها ما يقابلها في
اللغات الأخرى، وكذلك لأنها من أكثر الكلمات استعمالا في القرآن الكريم.
والأكثر من ذلك أنها أصبحت علما (علم
البيان)، وأضحت بذلك تدل على نظام معرفي معين، له رؤية ومفاهيم وطريقة تفكير.
- ثم انتقل الجابري للحديث عن دلالات البيان :
تتوفر كلمة البيان في معجم لسان العرب على خمس
دلالات، تدل الأولى على الوصل استشهادا بقول الشاعر:
لعمرك لولا البين لا يقطع الهوى *
ولولا الهوى حن البين ألف.
وتدل أيضا على الفراق هذا ما أكده صاحب مقاييس
اللغة، وأيضا لسان العرب.
بانت سعـــــاد فقلبي اليوم متبول * متـــــيم
إثرها لم يفذ مكبول.والمباينة بمعنى المفارقة، وتباين
القوم تهاجروا، وتباين الرجلان: بان كل واحد منهما على صاحبه، وكذلك الشركة
إذا انفصلا، وغراب البين: هو الأبقع أي الذي فيه بياض يميزه عن سائر
الغربان، وأبان تدل أيضا على الفصل: تقول ضربه فبان رأسه من جسده وفصله، فهو مبين،
والبين البعد والفراق، والبائنة: البئر البعيدة القعر، والبائن:
المرأة المطلقة(1).
والبين: الظهور والوضوح، كانت المعاني
السابقة معاني الوصول، الفراق والبعد، تفيض ضمنيا معنى الظهور والوضوح فظهور الشيء
ووضوحه يكون بانفصاله عما حوله، وتميزه عما يرتبط به أو يشيد إليه، إذن فدلالة
مادة (ب-ي-ن): الظهور والوضوح وهي نتيجة لدلالة الأولى، وأبنته أنا: أوضحته،
والتبين التأمل: يقال تبينت الأمر تأملته، والتبين: التثبت في الأمر (إذا
ضربتم في سبيل الله تبينوا).
والبين: الفصاحة والقدرة على التبليغ
والاقناع، ويتعلق الأمر هنا بمستوى ثالث من الدلالة، أي بقدرة الإنسان الذي يرى
الأشياء ويتأملها ويسمها، والإبانة تبليغ السامع مراده، والبيان: الفصاحة، واللسن:
كلام بين فصيح، والبيان: الإفصاح عن ذكاء، والبيان إظهار المقصود بأبلغ اللفظ، وهو
القدرة على الإقناع إلى درجة تجعل السامع مسحورا.
- الإنسان
حيوان مبين :
- البيان عند الجاحظ :
لقد اهتم الجاحظ كما فعل من سبقوه من رواد البحث البياني، بالخطاب القرآني وأساليبه البيانية فألف كتاب "نظم القرآن" و"كتاب الحيوان" والجاحظ كان من المعتزلة، وأصبح مهتما بقضية إفهام السامع وإقناعه، باعتباره عنصرا أساسيا في الجملة البيانية.
والبيان عند الجاحظ يتجلى في الفصاحة، والوضوح
والطلاقة، وهو مرتبط عنده بسلامة اللسان، بل وهو الكشف عن المعنى فإذا لم يكن
المعنى لم يكن بيان، وقد جعل الجاحظ للبيان شروط .
- البيان وسلامة اللسان : تحدث الجاحظ عن (العصي
والحصر، والحبسة، وعقدة اللسان)، فالجاحظ ربط البيان بطلاقة اللسان، ويستشهد بذلك
من القرآن الكريم (ربي اشرح لي صدري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)، ويريد
الجاحظ أن يبين أن للبيان علاقة كبيرة بسلامة اللسان. (وما أرسلنا من رسول إلا
بلسان قومه ليبين لهم).
ويعلق الجاحظ على هذه الآية، يقول: لأن مدار الأمر على
البيان والتبين وعلى الإفهام والتفهم، فكلما كان اللسان أبين كان أوضح، بعد ذلك
يذكر الجاحظ الآفات التي تفسد البيان، والتي تتجلى في: اللجلجة، التمتمة، اللثغة، الفأفأة،
- وهو ما نعرفه الآن في عصرنا بأمراض الكلام - مؤكدا أنه كما يحتاج البيان إلى
سياسة وترتيب ورياضة، فإنه بحاجة كذلك إلى تمام الآلة وإحكام الصنعة وسهولة المخرج،
فالنطق يساوي الكلام.
- البيان
وحسن اختيار الألفاظ : يتوقف الجاحظ هنا على حسن اختيار الألفاظ حتى تتناسب مع
المقام، مع تجنب الجمع بين الألفاظ المتناثرة حروفا كانت أو كلمات، ويستشهد الجاحظ
بالقرآن الكريم، حيث أن الله عز وجل كان يحسن اختيار الألفاظ المناسبة للمقام،
فاستخدم الغيث في الوفرة والخير والمطر في العقاب والكوارث.
وبهذا المعنى فالفصاحة جزء من البيان، وهي
مرتبطة بسلامة النطق واللفظ، لأن النسق الصوتي للغة العربية مُبَنيَن structuré على ملكة
تضمن سهولة النطق، فهناك أصوات لا يمكن الجمع بينها مضطردة في كلمة واحدة لأن هذه الأصوات
متقاربة في سمات مخارجها.
فالأصوات الحلقية، مثلا: كالهاء والعين والخاء لا
تتابع في كلمة واحدة (هع-خع) وكذلك العين والخاء وهذه خاصية سليقية عند المتكلم
العربي فنسقه الصوتي إذن يميل إلى تسهيل النطق تبعا لطبيعة مخارج الحروف، فكل هذه
العوامل إضافة إلى الآفات الأخرى كالفأفأة والتمتمة هي عوامل تفسد البيان.
إن اختيار اللفظ يتقابل في اللسانيات مع مبدأ
الإنتقاء المقولي أي احترام طبيعة التعالق بين الوحدات المعجمية تركيبيا ودلاليا
وصرفيا ومعجميا، واحترام المبادئ العامة التي يقوم عليها بناء المتواليات اللفظية
أي الجمل.
فلا يمكننا أن نقول، مثلا: اقتربت من أسد
يأكل ترابا إلا على سبيل المجاز، فالقرب من الأسد مسألة تتضمن خطورة في تصورنا،
وأنه يأكل ترابا تبعد هذه القضية عن دلالتها المنطقية، وبالتالي فالجمع بين هذه
الوحدات المعجمية في هذه الجملة يحتمل نوعا من الغرابة المعجمية والدلالية على
سبيل الحقيقة.
- البيان
وكشف المعنى : ينتقل الجاحظ إلى مستوى ثالث من الدلالة دلالة
اللفظ على المعنى، حيث يشير الجاحظ إلى أن المعاني موجودة في الصدور، والذي يوقظها
هو استعمالها، مع حسن اختيار اللفظ، والبيان إما أن يكون باللفظ أو بالإشارة أو
هما معا، فالأمر هنا له علاقة بما هو سيميائي.
وأما البيان بالخط فهو الكتابة، والبيان
بالعقد فهو الحساب، وأهميته لا تخفى، والبيان بالنصبة وهي الحال الناطقة بغير لفظ،
وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، ويكون بيان النصبة بالاعتبار أي العبور إلى
معاني الأشياء بواسطة الفكر.
- علاقة اللفظ بالمعنى عند الأصوليين :
اللفظ باعتبار المعنى الذي وضع له ثلاث
أصناف:
- خاص: ما وضع لواحد مفرد كزيد أو بالنوع كإنسان أو بالجنس كحيوانات أو للذوات كشجرة أو للمعاني كالعلم والجهل أو للدلالة الإعتبارية كالأعداد .
- عام: ما دل على أفراد كثيرين كالرجال.
- مشترك: هو اللفظ الذي يدل بالوضع اللغوي الأصلي على معنيين أو أكثر كالعين.
اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه:
- حقيقة
- مجاز
اللفظ باعتبار درجة وضوح المعنى صنفان:
- محكم: هو ما يدل على مقصود بعينه، لا يحتمل التفسير ولا التأويل، كقوله والله بكل شيء عليم.
- متشابه: ما خفيت دلالته مثل فواتح الصور في القرآن الكريم.
اللفظ باعتبار دلالته على المراد منه أربعة
أقسام :
- دلالة العبارة
- دلالة الإشارة
- دلالة النص
- دلالة الاقتضاء
- اللفظ والمعنى عند الجاحظ :
يعتبر الجاحظ أول من ألقى شرارة هذا
الجدل، حينما أعلى من شأن اللفظ على حساب المعنى في نص له مشهور: "المعاني
مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي والمدني، وإنما الشأن في
إقامة الوزن وتخيير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك"(1).
واللفظ الذي يقصده الجاحظ، ليس اللفظ المفرد
بل ما ينتظم بالألفاظ من العبارات، شعرا ونثرا الشيء الذي يجعل منه الملهم لنظرية
النظم التي شيدها الجرجاني.
وقد تأثر بالجاحظ أبو هلال العسكري
الذي يستحسن الكلام بنصاعته وجودة مقطعه وسلامة اللفظ وجودة مطالعه، فالعسكري هنا
معني بالهيكل وأناقته.
فيعيد قول الجاحظ: "وليس الشأن في إيراد
المعاني لأن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي،
وإنما الشأن في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته
ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف، وليس وما يطلب من
المعنى إلا أن يكون صوابا"(1)، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى
يكون على ما وصفناه من النعوت التي تقدمت .
- تصنيف أبو هلال العسكري للمعاني :
- الصنف الأول: صنف يبتدعه صاحبه دون أن دون أن يكون له إمام يقتدي به.
- الصنف الثاني: هي المعاني المتداولة التي ينقلها الخلف عن السلف.
إلى جانب هذه الاتجاهات التي إما مالت إلى
كفة اللفظ أو إلى كفة المعنى، هناك من وافق بين اللفظ ومعناه، واعتبروا أن المعنى
لا يقوم من غير لفظ، كما لا تقوم الروح بغير الجسد، فالمعنى من غير لفظ لا وجود
له، وكذلك اللفظ من غير معنى لا أهمية له، فكان بذلك ترابط اللفظ بمعناه ترابطا تلازميا،
كتلازم الروح بجسدها.
وهذا الطرح نادى به ابن رشيق القيرواني في
مسألة المفاضلة بين اللفظ والمعنى في باب خاص من كتابه العمدة إذ يقول (اللفظ جسم
وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم يضعف بضعفه ويقوى بقوته) ثم بعد ذلك
تحدث الجابري عن نظرية النظم عند الجرجاني.
التسميات
مقالات